عثمان سعدي وبرهوم بوجمعة.. رحيل عالم وإعلامي

رحل عثمان سعدي وبرهوم بوجمعة في توقيت متقارب، فكانت اللوعة لوعتين، لوعة على فقدان قامة من قامات العربية والدبلوماسية الأستاذ عثمان سعدي ولوعة على فقدان قامة من قامات الإذاعة الصحفي برهوم بوجمعة. رحل الفقيدان عن عالمنا ولا نملك أمام هذا المصاب إلا التسليم بقضاء الله وقدره “كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة” (آل عمران 185)، فلو كُتب الخلد لبشر لكان أولى الناس به سيد الخلق وحبيب الحق محمد صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: “وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن متّ فهم الخالدون”. (الأنبياء 34).

تعرّضت الجزائر لأبشع استعمار عرفته البشرية وهو الاستعمار الفرنسي الذي فتن شعبها ورهن مستقبلها وشوَّه تاريخها. بعد جهاد مرير وتضحيات كبيرة، رحل الاستعمار وبقيت أبواقه ترقص على أنغام لاكوست ولا فيجري، فقيّض الله للجزائر أبناء بررة أشربوا حب الجزائر ووهبوا جهدهم ومُهجهم للدفاع عن بيضتها والذود عن سيادتها والتعريف بأمجادها وعراقة تاريخها، وكان الأستاذ عثمان سعدي واحدا من هذه الكوكبة الوطنية التي خدمت الوطن إلى آخر رمق. لعثمان سعدي محبُّون كثيرون، أحبُّوا فيه نخوته الإسلامية وشهامته العربية ونزعته الوطنية، فهو الرجل الذي اختط لنفسه نهجا عربيا إسلاميا وطنيا وظل على ذلك لم يغير ولم يبدل بالرغم من الأذى الكبير الذي ناله في سبيل ذلك من خصومه الذين رأوا فيه خطرا على مشاريعهم ومخططاتهم فأغروا به أقلامهم المأجورة وصنفوه في عداد الخائنين لهويتهم بناء على قراءات مجتزأة لكتاباته، فالذين ثاروا عليه بسبب موقفه من الأمازيغية على سبيل المثال لم يدركوا الأبعاد التي كان يرومها والأفكار التي كان يدعو إليها، فظنوا أنه يحارب الأمازيغية وينكر وجودها ويتنكر لأمجاد أهلها، والحقيقة أننا لا نجد فيما كتبه عثمان سعدي عن الأمازيغية شيئا مما زعموا بل نجد فيه تذكرة بالحضن الإسلامي الذي آواها بعد أن ضاق بها أعداؤها الذين أرادوها أن تكون وسيلة من وسائل تشتيت الأمة وتفتيت كيانها وامتدادا للظهير البربري الذي أوجده مناوئون للإسلام والعروبة إرصادا لمن حارب الله ورسوله وتثبيتا لمن يسعون لتمزيق أوصال الجزائر وجعل أهلها شِيعا وأحزابا.

لقد امتزجت في شخصية عثمان سعدي مكوِّناتٌ كثيرة، إسلامية وعربية وأمازيغية، فهو من جهة لسانٌ منافح عن “ثالوث” جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا)، وهو من جهة ثانية وطنيٌّ مدافع عن القيم الوطنية، وهو من جهة ثالثة أمازيغي حرٌّ لا يتنكر لعِرقه، فعثمان سعدي لا يؤمن بفكرة الفصل بين هذه المكونات بل يعدّها مادة واحدة ملتحمة ملتئمة إنكار أحدها هو إنكار للكل. إن رأي عثمان سعدي عن كون اللغة العربية لغة جامعة وعن تأثر الأمازيغية بالعربية ليست فكرة مبتدعة بل هي حقيقة قائمة؛ فتأثير العربية واضح جلي في الأمازيغية وفي غيرها من اللغات، والعدد الهائل من المفردات والمترادفات الذي يوجد في العربية ليس له نظيرٌ في أي لغة أخرى بشهادة أهل الاختصاص.

رحل عثمان سعدي كما يرحل العلماء الكبار مخلفا وراءه ثروة معرفية كبيرة، شعرا ونثرا وتاريخا وفكرا، وهي صدقة جارية له وأمانة في أعناقنا جميعا أن نظل أوفياء لما نذر نفسه له، لا أن ننجرّ إلى خلافات هامشية يختلقها خصومنا ليضحكوا بها على أذقاننا تحت ذريعة “حرية الرأي” و”حرية الفكر”.

برهوم بوجمعة قامة أخرى ترحل عنا وهو من الإعلاميين الأوائل الذين داعبوا الميكروفون وأوصلوا صوت الجزائر إلى كل بقاع العالم، ولا زلت أذكر وأنا في المرحلة الثانوية تلك العبارة التي كانت تذيعها إذاعة الجزائر الوحيدة في ذلك الوقت عند موعد نشرة الأخبار “إليكم نشرة الأخبار في تقديمها شعبان لوناكل وبرهوم بوجمعة”، عبارة كنت أسارع الخطى إلى البيت لسماعها والاستمتاع بها، عبارة كانت تجلجل في صدري وتمدّني بشحنة كبيرة من الوطنية.

اطلعتُ على ما دوَّنه المغردون في مواقع التواصل الاجتماعي تأبينا لعثمان سعدي وبرهوم بوجمعة فأيقنتُ أن بذرة الخير في الجزائر لن تذبل وأن اسمها لن يزول بوجود وطنيين غيورين على وطنهم، متمسكين بتاريخه وملتفين حول رجالاته رغم محاولات المسخ والتفرقة التي يتولى كبرها المرجفون في الداخل والخارج.

كان الأستاذ عثمان سعدي واحدا من هذه الكوكبة الوطنية التي خدمت الوطن إلى آخر رمق. لعثمان سعدي محبُّون كثيرون، أحبُّوا فيه نخوته الإسلامية وشهامته العربية ونزعته الوطنية، فهو الرجل الذي اختط لنفسه نهجا عربيا إسلاميا وطنيا وظل على ذلك لم يغير ولم يبدل بالرغم من الأذى الكبير الذي ناله في سبيل ذلك من خصومه الذين رأوا فيه خطرا على مشاريعهم ومخططاتهم.

رحل عثمان سعدي وبرهوم بوجمعة، هذه سنّة الله في خلقه ولكن في الجزائر كثيرين من أمثال عثمان سعدي وبرهوم بوجمعة فالجزائر ولادة ولا خوف عليها من الفتن وعاديات الزمن، ففي الجوامع والجامعات وارثون كثيرون لفكر عثمان سعدي، وفي الإذاعات الوطنية والمحلية كفاءات إعلامية كثيرة قادرة على إكمال المشوار بعد رحيل برهوم بوجمعة عن هذه الديار. في الجزائر كثيرون على خطى عثمان سعدي وبرهوم بوجمعة تواصوا بالدفاع عن الجزائر إلى آخر رمق من حياتهم، مجتمعين لا يضرهم من خالفهم، متآلفين لا يضرهم من خانهم، مؤمنين بأن الجزائر أمُّهم ولا يكترثون لمن باعوا ذممهم وضمائرهم.

لقد آمن عثمان سعدي وبرهوم بوجمعة  بفكرة “اختلفنا من أجل الجزائر”، فلا ضير أن يكون عثمان سعدي من تيار وبرهوم بوجمعة من تيار آخر طالما أن التيارين يصبَّان في معين واحد هو الجزائر، ولا ضير أن يكون أحدهما عالما والآخر إعلاميًّا فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، فعلم عثمان سعدي وإعلام برهوم بوجمعة هما المداد الذي نخط به مستقبلنا والمدد الذي نستلهم منه قوَّتنا في مواجهة التيارات الفكرية والإعلامية المعادية.

لم يكن عثمان سعدي رحمه الله معاديا للمسألة الأمازيغية كما زعم بعضهم بل لم تكن المسألة الأمازيغية بهذا المصطلح الفيلوسياسي -إن صح التعبير- واردة فيما كتبه عثمان سعدي رحمه الله عن الأمازيغية، وكل ما في الأمر أن عثمان سعدي لا يرى الأمازيغية ولا غيرها من اللغات واللهجات لغة مضاهية للعربية، لأن العربية لغة اكتسبت قوتها من القرآن الكريم وهي لغة الوحي، وليس هناك من لبيب أريب يعترض على هذا الكلام إلا من سفه نفسه وجهل خصائص لغة الوحي.

برهوم بوجمعة من الإذاعيين المخضرمين الذين عايشوا المراحل المختلفة التي مرت بها الجزائر، من مرحلة الاشتراكية والحزب الواحد إلى مرحلة التعددية وما أعقبها من مأساة وطنية إلى مرحلة الجزائر الجديدة، ولم يعهد عن برهوم بوجمعة خلال هذه المسيرة  المهنية الطويلة أنه تخلّى عن رسالته الوطنية أو فرَّط فيها أو تولى أمام الزحف الإعلامي المعادي الذي يستهدف الجزائر وظل على هذا العهد إلى أن أسلم الروح إلى بارئها.

مات عثمان سعدي وبرهوم بوجمعة فتلك سنّة ماضية في جميع الأحياء  كما قال الشاعر:

1- أن يحرصوا على تحضير الخَلَف، وهذه عملية تضطلع بها كل شعوب المعمورة من أجل تكريس المعنى الحقيقي لتواصل الأجيال، فالتواصل يعني مواصلة الدرب وهذه عملية كؤود لا يلقاها إلا أهل العزم من حماة الوطن وحراس القيم.

2- أن تحرص النخبة الجزائرية على الاستثمار في العلم والأخذ منه بحظ وافر لأن العلم هو الذي يرفع أقوما ويضع آخرين، وهو الكنز الذي لا يفنى وهو عنوانُ النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، فمن أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم ومن أرادهما معا فعليه بالعلم.

3- أن يحافظوا على الميراث الفكري الذي تركه علماء الجزائر ممن قضوا نحبهم وأن ينشروه ويستخلصوا ما فيه من تجارب رائدة وأفكار مفيدة، تساعدهم على بلورة مشاريعهم وتطوير معارفهم وتوسيع مداركهم.

4- أن يعلم الجزائريون بأن الجزائر أطول عمرا منا فقد وجدنا لنؤدي دورنا ثم يطوينا الردى كما طوى غيرنا وأما الجزائر فباقية بعدنا إلى أمد لا يعلم مداه إلا الله سبحانه وتعالى.

5- ألا يضيع المثقفون والسياسيون أوقاتهم في الخوض في جدلية أولوية المثقف على السياسي أو أولوية السياسي على المثقف، فالمثقف والسياسي في النهاية جناحان لوطنٍ واحد اسمه الجزائر.

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.