play

في أخبار أعلامنا صفحاتٌ تهز وجدان قارئها لِمَا يتراءى من خلال ومضاتها المشرقة من مظاهر العظمة ومكامن الخلود، ويتضاعف ذلك الإعجاب المؤثر حين نجد أن رجلا واحدا استطاع أن ينوب عن أمة كاملة في إنقاذ وحفظ تراثها من براثن الضياع وآفات الإهمال، فجمعه من أقطار الدنيا وصانه صون الوصي الأمين ثم أخرج كثيرا من كنوزه في حلل بهية طالما طرب لرؤيتها عشاق الكتب وهواة الطبعات النفيسة.

ذلكم هو الجهد الذي قام به الكتبي الشهير محمد أمين أفندي الخانجي (1282 – 1358هـ/ 1865 – 1939م)، صاحب مكتبة الخانجي المشهورة في القاهرة، تلك المَعلمة الثقافية التي ارتبطت في أذهان القراء ووجدان الكتبيين بالجودة والإتقان ونشر أمهات التراث الفريدة.

رغم إغفال الصحف السيارة مناقب الخانجي وإعطاءه المساحة المستحقة فإن مناقبه بقيت مبثوثة في مذكرات وأسفار من حملوا هَم الكتاب الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين

لم يكن الخانجي علامة كبيرا ولا أديبا شهيرا ولم يكن كذلك مجرد كتبي متقن يكسب رزقه من الوراقة فحسبُ، بل كان صاحب رسالة حضارية ساقته المقادير الإلهية للقيام بها على أحسن وجه؛ فعشقه لكتب التراث الإسلامي وتضحياته العظيمة في سبيل جمعها ونشرها، وعلاقاته الوطيدة مع علماء ومثقفي عصره؛ كل ذلك جعل منه رائدا من رواد النهضة، وعلما من أعلام الإصلاح، ومؤسسا لمكتبة عظيمة كانت ملتقى طرق أعلامِ المشرق الإسلامي وغربه من مختلف طبقات  العلماء والأدباء، ومن أساطين الاستشراق ومبعوثي الجامعات الغربية لجمع الكتب الإسلامية وذخائر الشرق.

لم ينل الخانجي حين غادر الدنيا وصار خبرا من الأخبار ما يستحق من تأبين وتخليد، وقد تناساه مؤرخو المكتبات فيما بعدُ حتى أن الأستاذ أحمد العلاونة الذي ألف كتاب "العلماء العرب والمعاصرون ومآل مكتباتهم" أهمل ذكره، وقد ترجم له الزركلي في "الأعلام" ترجمة متوسطة وأحال إلى مذكراته التي هي يوميات غير منشورة.

ورغم إغفال الصحف السيارة مناقب الخانجي وإعطاءه المساحة المستحقة فإن مناقبه بقيت مبثوثة في مذكرات وأسفار من حملوا هَم الكتاب الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلاديين؛ ففي "مذكرات" الوراق البغدادي قاسم محمد الرجب (1338 – 1394هـ/ 1919 – 1974م) صاحب "مكتبة المثنى" ببغداد أخبارٌ عنه ضافية فقد وصفه بـ"أكبر خبير في الكتب الخطية" واعتبره "الوراق الوحيد بالعالم العربي في تلك الأيام"، (ص 39).

استغرب الخانجي كثيرا من خلو العراق من المخطوطات، وكان يتصور بأنه سوف يرجع بآلاف من الكتب المخطوطة يجدها في البيوت والطرقات لما اشتهرت به بغداد من العلم والأدب والحضارة

ولم ينسَ الرجب وأهل بغداد للخانجي فضله في العثور على "تاريخ بغداد"، للخطيب البغدادي، ذلك "الكتاب الذي كان يعد من الكتب المفقودة فعثر عليه محمد أمين الخانجي عند تجواله في المكتبات الشرقية والأوروبية، وباشر في نشره بالاشتراك مع مطبعة السعادة بمصر، ونعمان الأعظمي ببغداد، وأشرف على تخريج أحاديثه الشيخ حامد الفقي، وبعض المشايخ من العلماء بمصر بإشراف الخانجي نفسه". (ص 46-47).

وذكر الرجب في سياق تأريخه لحركة النشر والمخطوطات في العراق أن الخانجي "العالم بالكتب وأشهر كتبي في العالم الإسلامي" زار سوق الكتب ببغداد عام 1930م "فاقتنى كثيرا من الكتب المهمة، وعاد بها إلى مصر فنشر بعضها، وكان يطبع على غلاف تلك النشرات "من آثار العراق"، ومما نشره من الكتب "جواهر الألفاظ" لقدامة بن جعفر البغدادي، وكتاب "الآداب" لجعفر بن شمس الخلافة، وغير ذلك من الكتب والرسائل المهمة التي تم طبعها في مطبعة السعادة".

ويضيف الرجب أن الخانجي "استغرب كثيرا من خلو العراق من المخطوطات، وكان يتصور بأنه سوف يرجع بآلاف من الكتب المخطوطة يجدها في البيوت والطرقات لما اشتهرت به بغداد من العلم والأدب والحضارة، ولكنه نسي أن المحن والكوارث التي مرت على العراق، والجهل والحريق التي منيت بها بغداد أتت على ذلك التراث الضخم". (ص 103).

ذكر الرجب تلك الأخبار عن زيارة الخانجي للعراق وتبادله الثقافي مع علمائها لكن الرجب نفسه كان زار القاهرة عام 1944 بعد وفاة الخانجي بحوالي 5 سنوات، ووراثة ابنه محمد نجيب لمكتبته، وهنا يحدثنا قاسم الرجب أكثر عن الخانجي والدور الثقافي المحوري الذي لعبته مكتبته التي تعتبر "المكتبة الوحيدة التي تتعاطى بيع المخطوطات وشراءها والتفتيش عليها، وكان المرحوم الخانجي يتجول في الأقطار العربية كافة ليقتني المخطوطات لحسابه أو لحساب الجامعات والمتاحف والمستشرقين"، وكان يجلب لها الكتب من "الهند وتركيا وأوروبا ودمشق والعراق وإيران"، ولم يقتصر دورها على توفير الكتب وجمع المخطوطات ونشرها بل كانت "على صغرها كعبة يقصدها الأساتذة من جميع الأنحاء، ويلتقي فيها طلاب العلم فكنت تجد فيها الطالب التركي واليماني والسوري والليبي والمغربي والعراقي".

كما تعرف الرجب في المكتبة على كثير من العلماء "الذين كانوا يترددون عليها أمثال السيد أحمد الصديق، والعلامة الكوثري، والدكتور أحمد أمين، والبشير الإبراهيمي، والسيد أحمد خيري، والشيخ حامد الفقي، والمرحوم أحمد محمد شاكر، والدكتور محمد صبري السوربوني، والأستاذ الآثاري سليم حسن"، كما تعرف على أصحاب المكتبات في العالم العربي بواسطتها.

ويذكر الرجب أن اليهودي إبراهام شالوم يهودا (ت 1951م) من  أشهر المتعاملين مع الخانجي في الكتب والمخطوطات، وقد جمع هذا اليهودي "ما يقارب الـ20 ألف مخطوطة من مختلف أنحاء العالم ولا سيما من العراق…. وقد باع هذه المخطوطات فيما بعد لجامعة برنستون، وحفظت بمكان أمين، وعني بها بعد فهرستها وفرزها، ويمكن لطالبها أن يطلب تصوير أي مخطوطة شاء منها فلا يمر وقت إلا وقد وصلت إليه مصورة بالفوتستات أو الميكروفيلم تلك المخطوطة بأرخص ثمن يطلب منه". (ص 104).

الحقيقة أن يهودا باع مجموعته للأخوين روبرت جاريت وجون جاريت وهما وهباها لمكتبة برنستون عام 1942م، وتعرف حتى الآن بمجموعة يهودا، وقد فهرسها رودلف ماخ، وعرب المحقق محمد عايش جميع فهارس برنستون، وجاءت مجموعة يهودا في 6 مجلدات من فهارس هذه المكتبة التي تحتوي على نفائس ما أنتجته العقول المسلمة، ونوه عايش إلى أن الأخوين جاريت "لم يحصلا على  المخطوطات العربية والإسلامية بمجموعة يهودا كافة، فقد بيعت المخطوطات الطبية بهذه المجموعة للمكتبة الطبية بالقوات المسلحة الأميركية، وبلغ عددها 1500، ومعظمها باللغة العربية"، فهرس المخطوطات العربية في جامعة برنستون ج 3، ص 5.

وقد وهم الرجب في تاريخ وفاة هذا اليهودي الشرقي المولود في القدس عام 1877 لأسرة عراقية، وكان أحد أكثر هواة وتجار الكتب تأثيرا في القرن العشرين بما جمع من مخطوطات كانت نواة مكتبات تراثية كبيرة في الشرق والغرب لكنه حسب جامعة برنستون لم ينل ما يستحق من شهرة.

وقد حاولت الجامعة العام الماضي 2021 عقد ندوة عنه بعنوان "يهودا والمخطوطات الإسلامية" تنصفه وتعرف العالم بأدواره في التفاعل الثقافي بين الشرق والغرب لكنها ما زالت تحت سيف التأجيل حتى تاريخه، ومن طريف أخبار هذا اليهودي المغرم بالتراث الإسلامي أن الشاعر العراقي معروف الرصافي مدحه في محفل أقيم بالقدس عام 1920 ورد الأديب والمترجم اللبناني وديع البستاني بهجو الاثنين المادح والممدوح.

أكد الكوثري أن متجر الخانجي بالقاهرة كان "مجمع الفضلاء وندوة العلماء كما كان فرعه بالأستانة ملتقى الباحثين ومجتمع المنقبين يزوره الأمير والوزير والعالم الكبير والصغير

ذكر قاسم الرجب بحسرة أن الخانجي على عظيم فضله على تراثنا حين مات لم يجد من كتب عنه غير العلامة الحنفي المحدث محمد زاهد الكوثري (1296 -1371هـ/ / 1879م – 1952م)، الذي تعرف عليه الوراق قاسم الرجب نفسه في مكتبة الخانجي بالقاهرة، وكان تأبين العلامة الكوثري للخانجي على قدر الخسارة الفادحة والمصاب الجلل اللذين ألَمَّا بالكتبيين برحيل رجل "ترك فراغا لا يملأ بعده في زمن قريب على ما يظهر" كما يقول الكوثري العارف بقيمة أمثال الخانجي في نهضة الأمة بنشر تراثها، واعتبر الكوثري أن رحيل الخانجي فَقَدَ بسببه "أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها الاختصاصي الوحيد في معرفة الكتب النادرة القديمة والمخطوطات الأثرية الثمينة".

ويضيف الكوثري أن معرفة الخانجي بالكتب والنفائس لم تأت منه "عفوا بلا تعب بل كانت نتيجة ممارسة طويلة منه امتدت نحو نصف قرن، والظروف تواتيه شرقا وغربا بما آتاه الله تعالى من يقظة بالغة، وذكاء مفرط، وذاكرة قوية أهلته للاختصاص في ذلك اختصاصا لا يشاركه أحد فيه -فيما نعلم- ، وليس لذلك مدرسة خاصة تخرج الاختصاصيين غير طول الممارسة ومواتاة الظروف وقابلية النفس"، ويبدو أن لدى الكتبيين خصائص تميزهم عن غيرهم وأهمها قوة الذاكرة والصبر والدأب؛ فالخانجي كان "كلما سألته عن كتاب نادر ظفر به قبل سنين متطاولة كنت تجده يجيبك واصفا للكتاب أدق وصف، ومبينا من باعه منه إن لم يعد ذلك من أسرار المهنة، وكان شديد الحرص على إبقاء ما يظفر به من النوادر في إحدى خزائن الأقطار الإسلامية ما وجد إلى ذلك سبيلا".

ويؤكد الكوثري أن متجر الخانجي بالقاهرة كان "مجمع الفضلاء وندوة العلماء كما كان فرعه بالأستانة (إسطنبول) ملتقى الباحثين ومجتمع المنقبين يزوره الأمير والوزير والعالم الكبير والصغير يتجاذبون فيه أطراف الحديث في أنفع الكتب في العلوم، ويتعارف فيه أهل الفضل بعضهم على بعض"، وذكر طائفة من أشهر زبائنه في مصر من الوزراء والأعلام الكتبيين مثل العلامة فقيد العلم أحمد تيمور وشيخ العروبة البحاثة الكبير أحمد زكي باشا وصاحب السيف والقلم العلامة الوطني الكبير لطيف باشا سليم وآخرين فهؤلاء وغيرهم "من أصحاب المكتبات الفاخرة قد استوردوا إلى مكتباتهم كنوزا ثمينة وآثارا نادرة بواسطته سوى ما استوردته مكتبة الجامعة ودار الكتب المصرية أيام كانت الهمم منصرفة إلى شراء الكتب الشرقية بالدرجة الأولى".

ويرى الكوثري أن "الكتب التي قام بطبعها من خيرة الكتب، ويحس أهل العلم المنصفون أن لمطبوعاته عظيم الأثر في توجيه بحوث العلماء في عصره؛ لأن الكتب لا تقل أهمية في استنهاض الهمم عن الأساتذة الأفذاذ حيث لا يصل إلى كبار الأساتذة إلا آحاد، وأما الكتب فتصل إلى الأيدي كلها فتثمر ثمرتها عند أصحاب القابليات الفطرية"، وقد طبع الخانجي حوالي 400 كتاب.

كما يرى الكوثري أن "ما وقع بيده من المخطوطات لو دون لاستدرك على ما في كشف الظنون مثله بل ما يزيد عليه بكثر"، وقد نال هذه الشهرة والمكانة في عالم الكتب بسبب أمانته ووجاهته ومتانة دينه، "وكان يحافظ على الوضوء ليتمكن من أداء الصلوات في أول وقتها؛ كيف وبيته في حلب بيت عريق في المجد والسؤدد من السادة الحسنيين، وقد كان جد هذه الأسرة توطن حلب الشهباء في القرن السابع الهجري".

قال العلامة الكوثري إن الخانجي كان لأمانته لا يعير الكتب التي يكون وسيطا في صفقاتها قائلا: "يدي فيها يد أمانة لا أستطيع إعارتها إلا أن بينها كيت وكيت من النوادر"

يقول الكوثري عن صداقته مع الخانجي وعلاقته به "كانت معرفتي به منذ 40 سنة، وطول هذه المدة كان بيننا إخاء متين أزوره ويزورني، يعيرني أندر ما عنده لأطلع على ما فيه إشباعا لنهمتي، بل كثيرا ما كان يأخذ من المكتبات الخاصة مقابل رهن كبير بعض كتب مما كان يسمع تشوقي إليه، فأقضي وطري منه شاكرا فضله، وكان لا يخلو من الاستئناس برأيي في بعض نوادر المخطوطات، وكان يراجعني في بعض ما يشتبه في أمره من الأعلام، ونصوص بعض ما يطبعه من الكتب بين حين وآخر من غير أن تشوب هذه الصلة العلمية المديدة شائبة مادة".

ويقول العلامة الكوثري إن الخانجي كان لأمانته لا يعير الكتب التي يكون وسيطا في صفقاتها قائلا: "يدي فيها يد أمانة لا أستطيع إعارتها إلا أن بينها كيت وكيت من النوادر"، (مقالات الكوثري ص 137-139)، ولم يكن جُود الخانجي بنفائس الكتب وتمكين العلماء منها مقتصرا على الكوثري المهاجر عن جحيم التوحش الأتاتوركي إلى فيء مصر وظلال القاهرة موئل الأحرار في تلك الأيام بل كان يعير لغيره النوادر الأزمنة المديدة، كما أن غير الكوثري قدّر فضل منشورات الخانجي في تكوين عقول جيل النهضة بعلمائها وأدبائها، ذلك ما نستعرضه في الجزء الثاني بحول الله.