‫ الدعوة للإسلام في محفل كأس العالم | الشرق

أثناء دراستي في أوستن بولاية تكساس الأمريكية، كنا نتسوق أنا وزوجتي في أحد الأيام فولجنا لأحد المحلات الشهيرة بالمدينة يقال له "ديلارد". فإذا بأحد العاملين في المتجر يلتفت علينا ويصرخ فجأة تجاهنا ويسأل:"هل أنتما من السعودية"؟ فأجبته قائلا لا، نحن من "قطر"، فإذا به يقول، لا بأس، لكنكما من المسلمين!!؟ نعم مسلمان!!

اتجهنا نحوه حامدين شاكرين لله ونحن نتساءل ما به هذا الرجل؟! أمره غريب.. ماذا يريد؟ اقتربنا منه وابتسامة عريضة ارتسمت على وجهه، فقال: أريد أن أحدثكما عن واقعة حدثت لي أمس وأنا أدرس للامتحان بمكتبة الجامعة! (جامعة ولاية تكساس) استغربنا الأمر..وتساءلنا فيما بيننا وما دخلنا نحن، كمسلمين، بدراستك بالجامعة؟ سأقص عليكما.. تفضل..

فقال: "كنت ادرس بالمكتبة استعدادا للامتحان فأدركني الملل مع التعب، فأنحيت الكتاب الذي بحوزتي جانباً، واتجهت يداي لأقرب كتاب على الرف أمامي، فإذا به القرآن مترجماً"!

واسترسل قائلاً: "ويا للعجب.. فإذا بالقرآن يذكر سير كل الأنبياء والرسل الذين ذكروا في التوراة والإنجيل، كالنبي داوود وسليمان وموسى وعيسى (عليهم السلام)، يذكرهم جميعا بالخير ولا يسيء لأي منهم بما قد يجرح شعور التابعين لهم".

وبعد أن أكدنا له أن من شروط إيمان المسلم أن يؤمن بأن لا اله إلا الله وبالملائكة والكتب جميعها وكل المبعوثين من الرسل والأنبياء الذين ذكروا في الكتب السماوية سالفة الذكر، وإن إيمان المسلم لا يكمل الا بذلك، ثم طلبت منه أن يتواصل معي لأمده ببعض الكتب عن الإسلام إن أراد.

أسرد هذه الواقعة، والبلاد تستقبل مئات الآلاف من البشر من جميع انحاء العالم على اختلاف مشاربهم لحضور بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 التي بدأت منافساتها في العشرين من نوفمبر الماضي، ونود أن نغتنم هذا المحفل لتعريف القادمين لنا من أقاصي الأرض ودانيها، بحضارتنا الاسلامية وتقاليدنا العربية وتراثنا القطري، وغايتنا القصوى أن نتمكن من هدايتهم للإسلام، أسردها للتذكير بأن الأسلوب الدعوي الغير مباشر واعتماد أسلوب المقارنة والتحليل الذي يوافق العقلية الغربية، أجدى وأكثر ملاءمة معهم وأهل الكتاب خاصة. فالإنسان القادم من الغرب وأيضا ذلك الآتي من شرق آسيا لا يحبذان التوجيه المباشر، فلا دور للعاطفة في قراراتهم وخصوصا تلك التي قد تؤثر على مجرى حياتهم لفترة زمنية طويلة كعقيدتهم التي يؤمنون بها. فهو يسعى للمعلومات فيجمعها ويحللها ويقارنها قبل أن يصدر الأحكام.

فالأفضل أن نترك لهم المجال لدراسة الإسلام وعلومه ومقارنته بالأديان الأخرى بعيدا عن الأسلوب الدعوي المباشر.

والخطأ الأكبر الذي يقع فيه بعض الدعاة عندما يدعون أهل الكتاب للإسلام، أن يعتمد في ذلك المقارنة المباشرة والتقليل من ديانة الآخر وأنها قد تؤدي به لجهنم، فإن أراد الجنة فعليه أن يسلم.

إن المقاربة بين الأديان، والتأكيد أن جميعها مصدرها رباني، تتابعت على مر الدهور والأزمان لتكمل شرع الله وحكمه على الأرض، وجاء الإسلام خاتمة لها لتستكمل كل الشرائع به، وإن الاسلام دين ينظم العلاقة بين العبد وربه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وأن لا أفضلية بينهم إلا بالتقوى. وكل هذه الأدلة ورد ذكرها في التوراة والإنجيل وقد بشر النبي عيسى عليه السلام بقدوم الإسلام وهو يبشر بنبي آت بعده اسمه "أحمد".

هذه بعض مفاتيح للدعوة ونحن نخاطب العقلية الأجنبية الغربية فهم أهل كتاب، مع التأكيد على عدم التفضيل بين الأديان وترك ذلك للشخص ليميز ويحكم بذاته لذاته.

إن أحسن الوصايا ما وصانا بها الله سبحانه وتعالى. يقول جل جلاله في محكم كتابه:" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بالمهتدين".

وفي آية أخرى يذكر القرآن في دعوة أهل الكتاب فيقول: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وإليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون".

إن ذلك الطالب الذي أدرك قيمة القرآن في ذكره وإنصافه لجميع الأنبياء بالصدفة واستهواه، قد لا يشعر بذات اللذة لو أن أحدا ما ناوله المصحف الشريف وطلب منه قراءته.

وفي الختام، أذكر قصة إسلام الجراح الفرنسي موريس بوكاي الذي أجرى بعض الدراسات على مومياء "فرعون" وكيفية وفاته. وفي زيارة له للملكة العربية السعودية اكتشف أن القرآن قد ذكر قصة غرق فرعون كما جاء ذلك في انجيل متى ولوقا والتوراة، لكن من غير ذكر تفاصيل كما في الآية: "فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون".